الاقصى

 

 


هوة الفصل…

كتبهافاطمة الزهراء ، في 10 يوليو 2007 الساعة: 13:19 م

هوة الفصل…

 

لطالما كانت ولازالت تؤرقني قضية الهوة بين الإنسان ونفسه والتي أجدها أصل كل الكوارث الإنسانية  التي نعيشها ففي كل مرة أحلل فيها مشكلة أو أناقش فيها معضلة أو أتطرق لقضية ما سواء همت أمرا عاما أو خاصا أخلص إلى أن الجانب الأكبر في كل قضية يصب في نفس المصب ويظل هذا السياق يطاردني ويبعثر أفكاري دون أن أجد له إطارا مفهوما يلم شعث متناقضاته المتداخلة في بعضها البعض…

كل مرة تواجهني هذه المسألة أفكر وأفكر ثم أجدني عاجزة عن الحكم بموضوعية فأسجل القضية ضد مجهول حتى بدأت أشعر بتكتل كل تلك الاستفهامات في فكري تترسب وتترسب إلى أن باتت تشكل حاجزا بيني وبين التفكير العميق والتحليل الهادف والكتابة أيضا لأنها النتيجة الطبيعية لكل ذلك… فالتفكير العميق يعري الحقيقة التي يلبسها الواقع أسمالا قد تكون بالية وقد تبدو قمة في الأناقة لكنها لا تستر إلا بقدر ما تفضح نوايا خبيثة أو تطلعات ساذجة أو أحلام بليدة.. والتحليل الهادف إلى إظهار هذه الحقيقة يقدم حتمية الحق يعلو ولا يعلا عليه والتي لا تتناسب أبدا لا مع أبعاد الواقع المعاش ولا مع معطيات الفرد في إطار المجتمع المحيط به والذي يقيده بأغلال كثيرة تجمد حراكه…

كثيرا ما شاهدت صورا بشعة للظلم والبؤس سواء في الشارع أو من خلال الإعلام أو بواسطة حكايات وروايات الناس, صور لمتسولين يضعون كراماتهم تحت أرجل المارة وأخرى لمسؤولين يبيعون ضمائرهم بأبخس الأثمان, صور لنساء يشهرن سلاح الجسد في وجه صعوبات الواقع, صور أطفال يفترشون الأرض ويغطون أجسامهم الفتية بأحلام هزيلة ترتعد أمام جبروت الوهم المعاش, صور الدماء تهجم على شظايا الأرواح التي تغتالها أسلحة مزروعة في كل الأرجاء, صور لأغنياء يقتاتون على لحوم بشرية يغطيها الدم والعرق وصور لفقراء يدفنون رؤوسهم في رمال الصمت والجبن…

صور كثيرة كانت تهاجم لحظات سكينتي وتفجر في رأسي السؤال.. لماذا؟؟؟

لتطل نفس الفكرة من رأسي … إنها الهوة التي تفصل بين الإنسان ونفسه, بينه وبين مبادئه, بينه وبين دينه, بينه وبين عقله… هذه الهوة السحيقة التي تدفع بالإنسان إلى الرحيل عن نفسه ليكون شخصا غير الذي يريد وغير الذي يحب وغير الذي يتوافق مع روحه…

هوة الفصل هذه لا تأتي من فراغ بل توجدها عوامل كثيرة أهمها الإشباع الغريزي بمنأى عن الإطار العقلي أو بالأحرى إخضاع الجانب العقلي والفكري للغريزة يعني تكريس الطاقة العقلية والقدرة الفكرية لخدمة وتحقيق الرغبات الغريزية التي لا تتوقف عند حد وبذلك يظل المرء منساقا وراءها بشكل أعمى حيث يضطر كل مرة إلى التنازل عن قيمة أو خلق أو قناعة إلى أن يصبح مجرد آلة تحركها رغبات عمياء…

وعلى اعتبار أن وضع القدرات العقلية والفكرية رهن إشارة الاسترسال الغريزي العشوائي هو ذلك النبات السام المزروع في أرضية النفس فإن الذبال الذي يخصب هذه الأرضية ليساعد على نمو هذا النبات هو تقلص الهامش الأخلاقي والفكري الناتج عن غياب الثقافة التربوية السليمة الهادفة وعدم التطلع إلى التثقيف الشخصي المبني على التعلم والبحث بالمجهود الفردي إلى جانب عدم التدرج تصاعدي في سلم الحاجيات حيث نجد أن الإشباع غالبا يتم بشكل أفقي يحد من التقدم إلى مستويات الإشباع الأخرى التي تنطلق من الإشباع الغريزي لتصل إلى الإشباع الفكري والروحي لينتج التوازن المطلوب في النفس البشرية إذن هذا الإشباع يجب أن يتم بشكل كيفي وليس كمي…

ويبقى التحدي الأكبر بالنسبة للإنسان السوي هو تحقيق التوافق والالتئام بينه وبين نفسه التي ترضي فطرته السليمة ومنطقه الفكري والأخلاقي والديني القويم الذي لا يخضع لضغوط الغريزة وتسلط أغلال الواقع المتناقض…         

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لمسات التجلي في أغوار النفس | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “هوة الفصل…”

  1. سلامات

    سلمتي من التناقض .. و لكنها الحياة بتشعباتها و أكدارها ….و العفيف و الجهبيد من عاش غريبا و مات غريبا ..بدون ان يبعثر بين ازقة النفاق و الظلام و الصلال..

    دمتي عزيزة و مبتسمة

    نوري سلامه

  2. السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

    أختي فاطمة الزهراء حقا أدهشتني بمقالاتك التي يعجز اللسان عن مدحها و تحليل ما جاء فيها.

    نعم كما قلتي فإن المشكلة تتلخص في الهوة التي تفصل بين الإنسان ونفسه, بينه وبين مبادئه, بينه وبين دينه, بينه وبين عقله… هذه الهوة السحيقة التي تدفع بالإنسان إلى الرحيل عن نفسه ليكون شخصا غير الذي يريد وغير الذي يحب وغير الذي يتوافق مع روحه…

    و أنا أرى أن الإنسان يستطيع تجاوز و القضاء على هذه الهوة بتغلبه على أعدائه الثلاثة:دنياه,و شيطانه,و نفسه.فعلى الإنسان أن يحترس من الدنيا بالزهد.و من الشيطان بمخالفته. ومن النفس بترك الشهوات.

    تقبلي أختي فاطمة فائق إحترامي و تقديري.

  3. كيف سيتطلع الا نسان لإشباع فكره وروحه وهو مشغول البال بإشباع بطنه التي لا تشبع …

  4. فاطمة الزهراء قال:

    يعني يشبع بطنه لا بأس لكن ليس إلى حد التخمة فالإشباع لا يرادف أبدا الجشع وهذا ما تحدثت عنه في الإشباع الأفقي يعني لو انتظر المرء أن يشبع فلن يشبع أبدا لأن الغريزة دائما تطلب المزيد فهل هذا يعني أنه سيظل يأكل ويأكل ليشبع وهو لن يشبع لكن سيبقى سجين هذه الدائرة… وعلى قول الأولين من يأكل ديكا روميا مشويا يشبع ومن يأكل خبزا وماء أيضا يشبع…

  5. الأستاذه / فاطمة الزهراء .. السلام عليكم .. وتظل هذه الهوة السحيقة .. تحياتى لك أيتها المبدعة…….. نأمل التواصل………………………………

  6. أحمد الله تعالى على نعمه ومنها أن أبقى صالحات سليمات الفطرة والروح في زمن انتشر فيه الفساد حتى اختلط مع الأوكسجين في الهواء..وبعد:تحية وسلاما واحتراما..وأقول مستعينا بالله تعالى:

    إن المشكلة بالأساس تكمن في غياب التفكير الفوقي الكلي والوجودي الذي من شأنه أن يصوغ إنسانا لا يقف عند أحلام النوم أو الظلال الزائلة بل يجاوزها للواقع الدائم الخالد بالعمل لنيل سعادة هذا الواقع واجتناب عذابه ‘فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز’..هذا التفكير يقود للعمل والعمل يقود لتغيير ما بالنفس وتغيير ما بالنفس يفضي لمعرفتها واستيقان ضعفها وهذا يؤدي لمعرفة رب الأرباب وشــهـــود الحقيقة..حقيقة النفس وحقيقة الدنيا وحقيقة الموت وحقيقة الآخرة..ومن ثم يصير الإنسان عبدا لله بحق قائما بأمور الدين والدنيا على أساس الإستخلاف’وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة’ أي كما يريد الله سبحانه ويرتضيه..هكذا كان الصحابة والتابعون وأولياء الله الصالحين العلماء العاملون المقتدون بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام..

    أشكر لك مقالك وأرجو لك التوفيق ..

  7. بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أخي فاطمة الزهراء

    جزاك الله خيرا على موضوع يلامس كل ابن آدم ، وجزاك الله خيرا لفتح باب من ابواب التفكر التي نحتاجها لنعي ما نحن فيه.

    أخيتي…

    لعل تلك الهوة ورغم حجمها المهول عند معظمنا الا ان بنائها هش سهل الإختراق بشرط الصدق والصراحة مع النفس مع إدراك كينونتنا كبشر.

    فكلنا يخططيء ويتجاوز ويتعثر ، وحدهم الذين يصارحون أنفسهم بعدل وصدق يكونون قادرين على قراءة الخطأ قراءة سليمة لاكتشاف اسبابه وتجنبها في المستقبل مع التمسك بما يقوي من عزيمتنا، ولا يكون ذلك الا إذا تمسكنا بعرى هذى الدين الحنيف.

    بعضنا تزداد الهوة بينه وبين نفسه لأنه يظلم نفسه ، بعضنا لأنه يهرب من نفسه ، بعضنا لأنه يهمش نفسه ، بعضنا لأنه يكذب على نفسه وبعضنا لأنه ييأس من نفسه معتقدا أن الأمل بالتغيير رهن فقط بقدراته.

    علينا أن نؤمن بعظيم قدرة الله على مسح تلك الهوة بيننا وبين أنفسنا ، عندها سنصل لمرحلة السلام مع النفس وسنكون قادرين على تحويل الطاقات الذاتية الى الاتجاه الصحيح.

    نسأل الله العفو والعافية والثبات على طريق الحق _ اللهم آمين.

    اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

    وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

    والحمد لله رب العالمين.

  8. ادراج جديد في مدونتي بعنوان “سيري ….”



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر